محمد بن علي الشوكاني
5588
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
يصح ذلك بوجه من الوجوه ، على أنه إنما [ سمي ] ( 1 ) مجاهرا بمجاهرته بتلك المعصية والاستظهار بها بين الناس ، وإيقاعها علانية ، وعند ذلك يعلم الناس منه ذلك ويعرفونه بمشاهدته ، فلا يبقى لذكره به كثير فائدة ، وإن كان المقصود بجواز ذكره بما جاهر به استعانة الذاكر على الإنكار عليه لمن يذكر له ذلك الذنب ، فهذه الصورة داخلة في الصورة الثانية التي قدم النووي ذكرها ، وقدمنا الكلام عليها ، فلا فائدة لجعلها صورة مستقلة . فإن استدل مستدل على جواز مثل هذا بما وقع منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من قوله : " بئس أخو العشيرة " ( 2 ) . فيقال له : أولاً : إن هذا القول الواقع منه - صلى
--> ( 1 ) في ( ب ) سمى . ( 2 ) أخرجه البخاري رقم ( 6054 ) ومسلم رقم ( 73 / 2591 ) عن عائشة قالت : أن رجلا استأذن على النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : " ائذنوا له ، فلبئس ابن العشيرة ، أو بئس رجل العشيرة " . فلما دخل عليه ألان له القول ، قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله قلت له الذي قلت ، ثم ألنت له القول ؟ فقال : " يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه " . قال الخطابي : " جمع هذا الحديث علما ودبا ، وليس في قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أمته بالأمور التي يسميهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة ، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض ، بل الواجب عليه أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمره ، فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة ، ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق ، أظهر له البشاشة ولم يجبه بالمكروه ؛ لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله وفي مداراته ؛ ليسلموا من شره وغائلته . قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ( 10 / 454 ) تعليقا على كلام الخطابي : وظاهر كلامه - الخطابي - أن يكون هذا من جملة الخصائص ، وليس كذلك ، بل كل من اطلع من حال شخص على شيء وخشي أن غيره يغتر بجميل ظاهره فيقع في محذور ما ، فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدا نصيحته ، وإنما الذي يختص النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يكشف له عن حال من يغتر بشخص من غير أن يطلعه المغتر على حاله ، فيذم الشخص بحضرته ليتجنبه المغتر ليكون نصيحة ، بخلاف غير النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن جواز ذمه للشخص يتوقف على تحقق الأمر بالقول أو الفعل ممن يريد نصحه . قال القرطبي في " المفهم " ( 6 / 573 ) : جواز الغيبة : المعلن بفسقه ونفاقه ، والأمير الجائر والكافر ، وصاحب بدعة ، وجواز مداراتهم اتقاء شرهم ، ولكن يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى . وقال القاضي عياض في " إكمال المعلم بفوائد مسلم " ( 8 / 63 - 63 ) : هذا من المداراة وهو بذل الدنيا لصلاح الدنيا والدين ، وهي مباحة مستحسنة في بعض الأحوال ، خلاف المداهنة المذمومة المحرمة ، وهو بذل الدين لصلاح الدنيا ، والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هنا بذل له من دنياه حسن عشرته ، ولا سيما كلمته وطلاقة وجهه ، ولم يمدحه بقول ولا روي ذلك في حديث ، فيكون خلاف قوله فيه لعائشة . وانظر : " فتح الباري " ( 10 / 453 ) . وقال القاضي عياض في " إكمال المعلم " ( 8 / 62 ) : وهذا الرجل هو عيينة بن حصن ، وكان حينئذ لم يسلم - والله أعلم - فلم يكن القول فيه غيبة ، أو أراد - عليه الصلاة والسلام - إن كان قد أظهر الإسلام أن يبين حاله ؛ لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه ، وقد كان منه في حياة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبعده من هذه الأمور ما دلت على ضعف إيمانه . قال الحافظ في " الفتح " ( 10 / 471 - 472 ) وقد نوزع في كون ما وقع من ذلك غيبة ، وإنما هو نصيحة ليحذر السامع ، وإنما لم يواجهه المقول فيه بذلك لحسن خلقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولو واجه المقول فيه بذلك لكان حسنا ، ولكن حصل القصد بدون مواجهة . والجواب : أن المراد أن صورة الغيبة موجودة فيه وإن لم يتناول الغيبة المذمومة شرعا ، وغايته أن تعريف الغيبة المذكور أولا هو اللغوي ، إذا استثني منه ذكر كان ذلك تعريفها الشرعي . وقوله في الحديث : " إن شر الناس " استئناف كلام كالتعليل لتركه مواجهته بما ذكره في غيبته . ويستنبط منه - الحديث - أن المجاهر بالفسق والشر لا يكون ما يذكر عنه في ذلك من ورائه من الغيبة المذمومة . قال العلماء : تباح الغيبة في كل غرض صحيح شرعا حيث يتعين طريقا إلى الوصول إليه بها : كالتظلم ، والاستعانة على تغيير المنكر ، والاستفتاء ، والمحاكمة ، والتحذير من الشر ، ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود ، وإعلام من له ولاية عامة بسيرة من هو تحت يده ، وجواب الاستشارة في نكاح أو عقد من العقود ، وكذا من رأى متفقها يتردد إلى مبتدع أو فاسق ويخاف عليه الاقتداء به ، وممن تجوز غيبتهم من يتجاهر بالفسق أو الظلم أو البدعة . . . " .